العيني
238
عمدة القاري
وقت من أوله وأوسطه وآخره ، وهو إفعال وافتعال من : الدلج والدلج : سير الليل بمنزلة السرى ، وليس واحد من هذين المثالين بدليل على شيء من الأوقات ، ولو كان المثال دليلاً على الوقت لكان قول القائل : الاستدلاج بوزن الاستفعال ، دليلاً لوقت آخر ، وكان الاندلاج على الانفعال لوقت آخر ، وهذا كله فاسد ، ولكن الأمثلة عند جميعهم موضوعة لاختلاف معاني الأفعال في أنفسها لا لاختلاف أوقاتها ، وأما وسط الليل وآخره وأوله وسحره وقبل النوم وبعده فمما لا يدل عليه الأفعال ولا مصادرها ، وقد وافق قول كثير من أهل اللغة في ذلك ، واحتجوا على اختصاص الإدلاج بسير آخره ، بقول الأعشى : * وادلاج بعد المنام وتهجير * وقف وسبسب ورمال * وقول زهير بن أبي سلمى : * بكرن بكورا وادّلجن بسحرة * فهن لوادي الرأس كاليد للفم * فلما قال الأعشى : وادلاج بعد المنام ، ظنوا أن الادلاج لا يكون إلاَّ بعد المنام ، ولما قال زهير : وادلجن بسحرة ظنوا أن الادلاج لا يكون إلا بسحرة ، وهذا وهم وغلط ، وإنما كل واحد من الشاعرين وصف ما فعله هو وخصمه دون ما فعله غيره ، ولولا أنه يكون بسحرة وبغير سحرة لما احتاج إلى ذكر سحرة ، لأنه إذا كان الادلاج بسحرة وبعد المنام فقد استغنى عن تقييده . قال : ومما يفسد تأويلهم أن العرب تسمي القنفذ : مدلجا لأنه يدرج بالليل ويتردد فيه ، لا لأنه من حيث لا يدرج إلاَّ في أول الليل أو في وسطه أو في آخره أو فيه كله . لكنه يظهر بالليل في أي أوقاته احتاج إلى الدرج لطلب علف أو غير ذلك . انتهى كلامه . وفيه نظر من حيث إن أكثر اللغويين ذكروا الفرق بين اللفظين ولم ينشدوا البيتين ، فيحتمل أن ذلك سماع عندهم ، وهو الظاهر ، وإن كانوا أخذوه عن البيتين فما قاله ابن درستويه هو الصواب لأنه ليس فيهما دليل على ذلك ، وأما قوله : إن الأفعال تختلف لاختلاف المعاني ، معناه أن الأفعال هل دخلت لمعنى واحد ، وهو تخصيص الحدث بزمان فقط ، أو دخلت لهذا ولغيره من المعاني ، فابن درستويه يزعم أنها ما دخلت إلاَّ لهذا المعنى فقط . وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان ، رحمه الله : إن الأستاذ أبا علي الشلوبين وغيره خالفوه وقالوا : الأفعال تختلف أبنيتها لاختلاف المعاني على الجملة ، فالمعاني التي تختلف لها الأبنية ليست بمقصورة على شيء من المعاني دون شيء ، فإذا لم تكن مقصورة على شيء دون شيء من المعاني فما الذي يمنع أن تكون الدلالة إذ ذاك على آخر الوقت أو أوله أو لوقت كله ؟ قلت : الحديث يؤيد قول ابن درستويه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالدلجة ، فإن الأرض تطوى بالليل ) ، ولم يفرق ، عليه السلام ، بين أوله وآخره ، وقال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وجعل الادلاج في السحر : * اصبر على السير والإدلاج في السحر * وفي الرواح على الحاجات والبكر * بيان الأعراب : قوله : ( إن الدين يسر ) مبتدأ وخبر دخلت عليها : إن ، فنصبت المبتدأ . قوله : ( لن يشاد الدين ) كلمة : لن ، حرف نفي ونصب واستقبال . وقوله : ( يشاد ) منصوب بها وليس له فاعل ( والدين ) مفعوله ، قال القاضي : روي رفع الدين ونصبه ، وهو من الأحاديث التي سقط منها شيء ، يريد أنه سقط من هذا الحديث لفظ أحد ، في الرواية . وقال صاحب ( المطالع ) ورواه ابن السكن بزيادة أحد ، وعلى هذا الدين ، منصوب ، وهو ظاهر . وأما على رواية الجمهور فالرفع على ما لم يسم فاعله ، والنصب على إضمار الفاعل في : يشاد ، للعلم به . وقال صاحب ( المطالع ) : والرفع هو رواية الأكثر . وقال النووي : الأكثر في ضبط بلادنا النصب ، والتوفيق بين كلاميهما بأن يحمل كلام ( المطالع ) على رواية المغاربة ، وكلام النووي على رواية المشارقة . قلت : وفي بعض الرواية عن الأصيلي بإظهار : أحد ، لن يشاد الدين أحد إلاَّ غلبه ، وكذا هو في رواية أبي نعيم وابن حبان والإسماعيلي وغيرهم . قلت : الأولى أن يرفع : الدين ، على أنه مفعول ناب عن الفاعل ، فحينئد يكون يشاد على صيغة المجهول ، وقد قلنا إن هذه الصيغة يستوي فيها بناء المعلوم والمجهول ، لأن هذا من باب المفاعلة ، وعلامة بناء الفاعل فيه كسر ما قبل آخره ، وعلامة بناء المفعول فيه فتح ما قبل آخره ، وهذا لا يظهر في المدغم ، ولا يفرق بينهما إلاَّ بالقرينة ، فافهم . قوله : ( فسددوا ) ، جملة من الفعل والفاعل ، وهو : أنتم ، المضمر فيه ، ويمكن أن تكون : الفاء ، جواب شرط محذوف ، أي : إذا كان الأمر كذلك فسددوا ،